تخيل قطعة موسيقية، لا ليس الموسيقى نفسها بل النتيجة المكتوبة أو الورقة، بعضنا يُلقي نظرة عليها ومن ثم يبدأ تلقائيًا بترجمة تلك الرموز إلى أصوات، آخرون من المحتمل أن يكونوا غير قادرين على فهم معنى المكتوب على الورقة، ولا بأس في ذلك؛ لأنه ليس من الضروري أن تكون قادرًا على قراءة الموسيقى لتقدّرها.

تدوين الموسيقى معقد، وهذا الشيء جيد لأنه يسمح للملحنين أن يعبروا عن الأفكار المعقدة التي تشق طريقها إلى أذنيك، لكن الملحوظات والمقطوعات التي نراها اليوم لم تنبع بشكل كامل من عقل شخص واحد، بل إن التدوين الذي نراه اليوم هو نتاج قرون من الابتكار والتحسين، لذا دعونا نكتشف بعض معالم تطوره.

استخدام التدوين الموسيقي قديم قدم الموسيقى نفسها، ولكن سوف نبدأ منذ عام 1025م؛ إذا كنت أنت فلاحًا تعيش على الكرنب غير الموسمي فإنه من المحتمل أنها ستكون سنة فظيعة بالنسبة لك، أما إذا كنت واحدًا من الأغنياء وتحكم الأقليات فإن تلك السنة من المحتمل أن تكون سنة جيدة بالنسبة لك، ولكن إن كنت راهبًا تُعلم كورالا (فرقة غنائية) بعض الأغاني الجديدة فمن المؤكد أن 1025م عامٌ ممتازٌ بالنسبة لك، في ذلك الوقت كان هناك راهبٌ يدعى غيدو، انتقل إلى مدينة توسكنية تسمى أرستو، لذلك التاريخ سماه غيدو أرستو.

نحن لا نمتلك الكثير من المعلومات عن سيرة غيدو أرستو الذاتية، ولكن ذلك حقًا لا يهم عندما تفكر فيما فعله، غيدو ساهم بشكل عظيم في مساعدة أوروبا الغربية لتعبر عن نفسها موسيقيًا، نظّم الموجات الصويتة في مجموعات تسمى hexachords (فكر بهم كمقياس)، والأجمل من ذلك أنه اخترع solfege (دو- ري- مي- فا…) وقام بتقديم طريقة لتدوين هذه المفاهيم بشكل أكثر دقة.

قبل غيدو كانت الموسيقى الطقسية تُدوّن باستخدام ملاحظات تسمى التنويت، إذا كنت تتعلم أغنية فسوف تحصل على بعض الخطوط مع الكلمات، وفوقهم سوف ترى التنويت ينزلق صعودًا أو هبوطًا أو بشكل دائري، تلك كانت الورقة الموسيقية، التنويت لا يخبرك أي مقطوعة لتغني بالضبط بل يوضح قوام اللحن، فمثلاً إذا كان هناك خط فوق الكلمة فعليك رفع الموجة الصوتية.

زار غيدو العديد من الأديّرة ولاحظ كيف أن المغنين قليلي الخبرة يعانون من تعلم الترنيمات في الفرق الموسيقية، لذا فكر بأداة مناسبة تسمح لأي أحد بالغناء حتى وإن لم يسمع تلك الموسيقى من قبل، وكانت الطريقة هي المدرج الموسيقي، تتكون هذه الأداة من أربعة خطوط بدلاً من الخمس المستخدمة اليوم، واحد من تلك الخطوط مميز بمؤشر رئيسي –ربما C أو F- موضحًا المواضع الثابتة للموجات الصوتية، خطان من المدرج الموسيقي ملونين –أصفر لـ C وأحمر لـ F- كما كتب غيدو أن الطلبة قليلي الخبرة استطاعوا -بعد استخدام المدرج الموسيقي- “بشكل أفضل ضبط مستوى الموجة” أو كما تعرف “قراءة الموسيقى”.

المدرج الموسيقي عظيم والموجات الصوتية الثابتة أعظم منه، لكن الموسيقى ما زالت تفتقر شيئًا ما، كيف يمكنك تقدير كم المدة التي ستلزم كل مقطوعة؟ تلك المشكلة قد واجهت تقويم التدوين الموسيقي.

التقويم يعني “تقدير الشيء” هذا هو بالضبط ما تهدف المدونات التي تحمل نفس الاسم للقيام به، كان التقويم أو القياس الموسيقي مستخدمًا للموسيقى الصوتية العلمانية على مدرج موسيقي مكون من خمسة خطوط، الموسيقى الكنسية كانت التنويتات المتدرجة وكان معظمها على العود، وبعض عازفي الأوتار كانوا يعزفونها على آلات وتريّة موسيقية أخرى، لكن التدوين القياسي استخدم الرموز، ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الرموز تعود لرموز حديثة.

دعونا ننظر لشكلين من المقطوعات الموسيقية: “اللونغا” –Longa– و”البريف” – Breve–

صدق أو لا تصدق أن هذه المقطوعات حتى وإن كانت تبدو غير مألوفة ولكنها ما زالت مستخدمة حتى يومنا هذا.

“البريف-Breve” هو الاسم البريطاني للمقطوعة التي يسميها الأمريكيون “المقطوعات المزدوجة”، كل مقطوعة مزدوجة “Breve” يمكن أن تتجزأ إلى نصفين، والتي يمكن تقسيمها إلى قيم أصغر نسبيًا، تشير الدعامات المقابلة إلى فترة الصمت أو الوقفات، ألقِ نظرة على الجدول التالي وكيف تبدو الرموز –التي سبق شرحها- وعلى شكلها الحالي.

علامات القياس هي علامات مكونة من مزيج بين دوائر وأنصاف دوائر ونقاط، والتي توضح علاقة هذه الملاحظات بالقطعة الموسيقية وتعتبر نوعًا بدائيًا من الشارات الموسيقية، فإنها مثلاً تساعد المدوِّن على فهم أن اثنتين أو ثلاث من المقطوعات المزدوجة تكوّن “لونغا-Longa“، انظر إلى الشكل في الأسفل لكي ترى الأشكال الممكنة.

“تيمبوس-Tempus” وهي كلمة لاتينية تعني تقسيم المقطوعات المزدوجة إلى أنصاف مقطوعات، “Prolatio” (كلمة لاتينية) تحدد العلاقة بين نصف المقطوعة وأصغر مقطوعة، التيمبوس التام يعني ثلاثة أنصاف من المقطوعة تكوّن مقطوعة مزدوجة واحدة، والتيمبوس غير التام يعني مقطوعة مزدوجة مكونة من نصفي مقطوعة، أما “Prolation” الرئيسي يعني نصف مقطوعة يمكن أن تتجزأ إلى ثلاث مقطوعات أصغر، أما الثانوي يعني أنه يمكن تقسيمه إلى جزئين فقط.

كما لاحظت سابقًا فقد كان التدوين القياسي مستخدمًا بشكل كبير في الموسيقى الصوتية العلمانية، ولكن من القرن السابع عشر تقريبًا أصبحت الآلات الموسيقة هي المهيمنة، الموسيقيون من جميع أنحاء العالم شاركوا بالتدوين في ذلك الوقت، ولكن كان هناك عدد محدود منهم قادرٌ على نقل المعلومات حول ما يجب أن تفعله الأدوات غير الصوت، لذا كان التدوين مكررًا أكثر من أي شيء مضى، ومع مرور الوقت الأنماط والمفاتيح الموسيقية والعلامات الديناميكية والروابط قد بدأت بالظهور.

القصة التي وراء التدوين الموسيقي جميلة بعمق، كل هذه الخطوط والنقاط، كل هذه التمايلات، يمكن أن تبدو بسيطة، ولكن مع بعضها البعض يمكنها أن تشكّل لغةً معقدة تنقل أفكارًا مدهشة وإبداعيّة، لذا في المرة القادمة إذا كنت تحصل على موسيقى تشبه باخ (موسيقى عالمية) ففكّر بالموسيقى، ولكن ليس بالأصوات التي تسمعها بل بالورقة التي يقرؤها الموسيقيون.

فلولا التدوين لكان الملحنون غير قادرين على نقل الأفكار المعقدة المطلوبة لإحضار أنغامك المفضلة للحياة، حتى وإن لم تكن قادرًا على قراءة الموسيقى فإنه لا زال باستطاعتك شكر التدوين الموسيقي كل يوم لجعل ذلك ممكنًا.

على أيّة حال يجب عليك أن تلاحظ أنه على الرغم من أن غيدو لم يكترث لتعليم الموسيقى فقد اخترع نظامًا موسيقيًا متكاملاً، ولكن اعتماد نظام موسيقي من صنع شخص واحد هو أمر محفوف بالمخاطر، فخطوط التنويت لم تكن جديدة -على الرغم من أن غيدو وسّع العدد إلى أربعة خطوط- وأنظمة التلوين الأخرى ربما كانت موجودة، إن غيدو هو مجرد شخصية واحدة يمكننا أن نشير إليها، الموضوعات هي فواصل التاريخ.

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here