الخيُر أسمى شيء في حياتنا ، إنه يجعل لها معناً روحياً فريداً ، و يُضفي لها شعوراً رائعاً ، وما أجمل هذا الشعور عندما نتشاركه مع غيرنا .

      كان رامي فتىً يمتلك من الحياة إثنا عشرةَ سنةً فقط ، و يعيش في مدينة ريفية يحكمها العمدة ، الذي كان المسؤول عن قوانينها ونظام الحكم الذي يسودها ، كان والد رامي فيما مضى دائماً ما يوصيه بعدم إيذاء الآخرين و يوصيه بمساعدتهم و إعانتهم .

      خرج رامي يوما ما إلى سوق المدينة فإذا به يجد رجلاً متعباً يجرُّ عربة الحليب وقد شق عليه الأمر ، فسأله ما بك يا عم ؟ هل أنت متعب ؟ أجاب الرجل أجل يا بني فأنا كلّ صباح أخرج متجها إلى المدينة المجاورة لأبيع الحليب و أعود في المساء ومع تقدمي في العمر لم أعد أستطيع أن أكمل عملي ، قال رامي أنا سأذهب إلى المدينة المجاورة لأبيع لك الحليب ثم أعود ،  اِندهش الرجل ممّا سمعه من الفتى الذي ارتسمت على وجهه ألوان البراءة فقال شاكراً : أنت فتىً طيبٌ جدّاً يا رامي ، اذهب و أنا سأبقى هنا في السُّوق أنتظرك حتى المساء إلى حين عودتك .

      ذهب رامي إلى المدينة وبدأ يتجولُ في شوارعها منادياً حليب .. ! حليب .. !، وكأنه صاحبُ هذه المهنة منذُ زمن وسرعان ما تجمع الناس حوله يشترون منه ، وقد ارتابهم شعورٌ بالسعادة و الارتياح تجاه رامي ، هذا بالإضافة إلى لطافةِ حديثه وطيبة قلبه ، على عكس أغلب الباعة الذين كان يظهر عليهم العُبوس .

     باع رامي كلّ الحليب في وقت قصير و عاد مسرعاً قبل حلول المساء ، وجد الرجل في انتظاره فقص عليه القصة و فرحَ الرجل كثيرا و أعجب بِدهاءِ رامي وفطنته رغمَ صِغر سنّه ، فاقترح عليه أن يعمل بدلاً عنه و بالمقابل يعطيه نصف المبلغ الذي يجنيه ، وافق رامي و أخذ يعمل بجدٍّ كلّ يوم مع أنه كان يتعرض للشتم من الباعة الآخرين ، لكنه كان لا يبدي أي اهتمام بذلك .

     وفي أحد الأيام بينما كان رامي عائداً مساءً من المدينة حتى أصابه التعب من جر العربة فقرر أن يستريح قرب إحدى حقول القمح التي كانت ممتدةً على مدى نظره و قد رسمت لوحةً فنيةً رائعةً ، استراح رامي قرب حقلٍ و أخذ  يتأمل جمال سنابل القمح الممتلئة التي تتدحرج ذهاباً و إياباً بفعل النسيم الذي يلامسها ، قال رامي في نفسه متعجباً : أظن أن كل هذه الحقول الشاسعة هي التي تمد سكان المدينة بالمحصول الذي يصبح طحيناً فيما بعد يلبي حاجة المدينة بأكملها ، وبينما هو غارق في تفكيره حتى سمع صياحاً يتعالى من جانب الحقول ..حريق ! ..حريق .. ! ، نظر رامي إلى الحقول فشاهد ألسنة النار تتعالى داخلها وهي تلتهم المحصول كمن يلتهم الطعام بشراهة ، تجمد رامي في مكانه من المشهد الذي شاهده  فمر أحد الفلاحين مسرعاً فشاهد رامي فسأله غاضبا ماذا تفعل هنا يا ولد ؟ ارتبط لسان رامي داخل فمه و اصفرَّ وجهه ، آهْ إذن أنتَ من تسبّبت في الحريق ، رامي : لكن يا سيدي … أصمت أنت مجرمٌ ويجبُ أن تعاقب على جريمتك ، ألا تعرف أن هذه الحقول هي ملك للعمدة ؟.

       أمسك بيده و جرَّهُ إلى الفلاحين : أيها الرجال وجدتُ هذا الفتى قرب الحقول وهو من تسبّب في الحريق ، سنأخذه إلى عمدة المدينة لكي يعاقبه ، وصلوا إلى دار العمدة فأدخلهم وقال لهم بنبرة خشنة : ماذا هناك ؟ ما الذي جاء بكم ؟ ألا يفترضُ بكم التواجد في مكان عملكم ؟ ، قال أحدهم صائحاً كارثة يا سيدي … كارثة …! لقد نشب حريقٌ هائل في الحقول و احترق كلُّ المحصول يا سيدي ، وهذا الفتى هو من فعل ذلك فصرخ العمدة غاضباً وماذا كنتم تفعلون أيها الحمقى ؟ ، ألم يكن الحارس يقوم بعمله ؟ . أجاب الرجل : بلى يا سيدي ولكن هذا الطفل كان مختبئاً بالقرب من الحقول فلم يره منا أحد ، قال العمدة : سأعاقبك أشد العِقاب أيُّها الفتى الشّقي ، أجاب رامي : لكنّني يا سيدي لم أفعل ذلك  ، فأمر العمدة جندهُ بأخذه إلى السّجن حتى يحين موعد محاكمته أمام الجميع ليكون عبرة لهم .

     قلق الرجل صاحب العربة لتأخر رامي فسأل نفسه : ترى لماذا تأخر إلى هذا الوقت ؟ ليس من عادته أن يتأخر هكذا ، سأنتظر بعض الوقت بعد ، وإذا غربت الشمس ولم يعد سأذهب إلى المدينة المجاورة و أرى ما سبب تأخره .

     جلس رامي يفكر وهو في الزنزانة يشعرُ بالخوف والقلق ، ترى كيف حال العم الآن و هو ينتظر    عودتي ؟  كيف سيعرف ما حصل معي ؟ قال في نفسه : سامحني يا عمّي و لكني لم أعرف كيف حصل معي هذا ، يبدو أن هذا العمدة رجل شرير ، وفجأة سمع صوتاً يناديه من الزنزانة المقابلة ، يا فتى ..يا فتى ..نهض رامي مسرعاً إلى شباك الباب مجيبا من أنت ؟ أجاب الرجل : أنا سجين مثلك ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ . قال رامي متحسراً : لقد اتّهموني أني من تسبّبت في إشعال حقول القمح ، فسأله الرجل في دهشة : هل حقول القمح احترقت ؟ أجاب رامي : بلى ، ولكني لست الفاعل ولا أعرف من تسبّب بذلك . قال الرجل : هل تعرف يا رامي أن هذه البلدة كانت في سنوات مضت تعيش في أمن وسلام و لكن في يوم من الأيام جاء الأعداء و اللصوص فغزوا هذه المدينة و اسّتولوا على خيراتها ، وبعد ذلك استوطنوها ، تابع كلامه قائلاً : لقد كان العمدة السّابق لهذه المدينة رجلاً طيباً يحب الجميع و الجميع يحبه .

      كان يساعد جميع الناس في رعاية شؤونهم ، لكن عندما جاء هؤلاء الأشرار بقيادة هذا العمدة المجرم ، شردوا جميع السكان وقاموا بالاعتداء على عمدتنا وطردوه و حبسوا كثيرا من الناس الأبرياء و أنا واحد منهم لمجرّد أنّنا رفضنا العمل تحت إمرتهم ، ومنذ ذلك الوقت أصبح الناس عبيداً لديهم يعملون في الزراعة أو جنداً للعمدة ، قال رامي لكن أين ذهب العمدة السابق ؟ أجاب الرجل : لا أعرف ربما ذهب ّإلى مدينة أخرى ، أو ربما هو في أحد السجون المجاورة .

      وفي هذه الأحيان نفذ صبر الرّجل بائع الحليب و قرّر الذهاب فوراً إلى المدينة المجاورة ليرى ما الذي جعل رامي يتأخر لحدّ الآن و عندما وصل كان الليل قد أسدى ردائه على المدينة  فأخذ يتسكّع في الشوارع باحثاً عن رامي وقد كانت الشوارع شبه فارغة من الناس ، حيث لم يكن يرى سوى أضواء الفوانيس في كل زاويةٍ من زوايا الشوارع و كأنه يعرفها من قبل ، وبينما هو يتمشى على حاله حتى مر به شخصان بدا أنهما يتحدّثان عن فتى سجنه العمدة ، فلحِق بهما و أوقفهما سائلاً إيّاهما : من هذا الفتى الذي تتحدَّثان عنه ؟ أجاب أحدهما : ألا تعرف الفتى الذي قام بحرق حقول القمح التابعة للعمدة ؟ إنه فتى من المدينة المجاورة أُلقي عليه القبض صبيحة اليوم قرب الحقول وقال الفلاحون أنه هو من فعل ذلك  و لذلك قام العمدة بسجنه حتى يحين موعد محاكمته أمام الجميع ، ثم واصلاَ سيرهما مبتعدين .

      تساءل الرجلُ في نفسه : أيمكن أن يكون رامي ؟ لا لا .. رامي لا يفعل هذا أبدا ، إنه فتىً طيب وبريء ، فذهب و استلقى في مكان جانب أحد المنازل حتى أخذه النعاس و نام حتى الصباح . و في الصباح استيقظ على ضجيج الناس و صياح الباعة في السوق ، ذهب يتجول موصلاً بحثه علَّه يعثر على رامي ، سمع صدفة أحد الباعة يتحدث عن محاكمة ستقام ظهر اليوم ليتم فيها معاقبة الفتى الذي تسبب في الحريق ،  فسأله : هل تعرف هذا الفتى ؟ أجاب الرجل : كلا لا أعرفه . فأصيب الرجل بخيبة و كأنه يبحث عن ابنه الضائع فظل يبحث حتى الظهر ، وبينما هو كذلك حتى سمع طبولاً تُقرع و جنود العمدة يُنادون في الناس : لقد حان موعد المحاكمة  .

     تجمّع الناس أمام قصر العمدة و امتلئ المكان بالجند و عندها خرج العمدة و حاشيته و عمَّ السكوت على جميع الناس ، فأخرج الجنود رامي مقيداً حينها صُعق الرجل عندما رأى رامي على هذه الحالة فلم يُصدق ما رآه ، مستحيل هذا ظلم .. رامي بريء .. وقف العمدة مخاطباً : اسمعوا أيّها الناس هذا الفتى سيعاقب أشدَّ العقاب جزاءً لفعلته و سأقوم بسجنه مدى الحياة ليكون عبرة للجميع .

       عندها اقترب بائع الحليب وسط الناس وقال مخاطباً العمدة : رامي لن يُسجن أبدا بل أنت من سيسجن ، عمّت الدهشة على جميع الحاضرين وهم متعجبين من جرأة هذا الرجل الغريب الذي كان في حالة يُرثى لها وتبدو عليه ملامح الفقر الشديد ، فنظر إليه رامي مُبتسما وقال : عمي أهذا أنت ؟ أنا سعيدٌ لرؤيتك ، غضب العمدة غضباً شديداً وقال : من أنت أيها الرجل الوضيع ؟ أجاب الرجل : أنا عمدة هذه المدينة التي استوليتم  عنها أيها الأشرار وشَردتّم سكانها وجعلتموهم تحت سيطرتكم و قُمتم بطردي من مدينتي بعد أن كنّا نعيش في سعادة .

     ازدادت دهشة الناس مما قاله ، أيعقل أن يكون هذا الرجل الفقير هو عمدة المدينة ؟ ، فأكمل الرجل حديثه قائلاً وهو يشيرُ بإِصبعه إلى رامي : أترى هذا الفتى ؟ إنه من قام بفضحِكم ، أمَّا عن حقول القمح التي احترقت فهي ليست من حقكم لأنكم لا تعطون الناس شيئاً منها ، بل تخزّنونه في مخازنكم و تتركون الناس جوعى يعملون عندكم ولا يحصلون على شيء .

      فتعالت أصوات الناس هاتفين باسم رامي ، قال رامي : إن هناك  كثيرا من الأبرياء في السجن بلا سبب و أنت من قُمت بسجنهم أيُّها الشرير لكي تخفي الحقيقة عن الناس ، اِزداد غضبُ الناس مطالبين برحيل العمدة الشرير ، فأخذ الجنودُ العمدةَ إلى السجن بعدما أخرجوا جميع السّجناء الأبرياء ، و أعادوا تنصيب الرجل الطيّب كعمدة عليهم و طلبوا من رامي أن يكون مساعداً من مساعدِيّ العمدة  كردّاً للجميل الذي قدمه للمدينة بأكملها ، وهكذا عاشت المدينة تحت حكم الرجل الطيب في سعادة و رخاء .

الخيرُ يدوم ولو قلَّ … و الشَّر يزولُ و لو طال .

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here