حدث هذا منذ زمن بعيد في وقت لم يكن أجدادنا أو آباء أجدادنا قد ولدوا بعد، كانت توجد على شاطئ البحر مدينة جميلة تشتهر بالتجارة تسمى “فينيتا” كان يعيش في هذه المدينة تاجر ثرى يدعى الشبعان يمتلك الكثير من المراكب المحملة بالبضائع الثمينة التي تجوب البحار البعيدة بغرض التجارة.

كان التاجر غاية في الثراء ويعيش حياة البذخ والرفاهية ، والمرجح أنه سمي الشيعان” لأن كل شيء متوفر في منزله آنذاك. كان هو وأفراد أسرته ياكلون ويشربون في أوان ذهبية وفضية ويلبسون أغلى الثياب من الديباج الحرير والفرو النادر ، كان التاجر يمتلك العديد من الخيول الجيدة في حظيرته الخاصة لكن لم يكن من بينها حصان أكثر سرعة وأجمل هيئة من حصانه الخاص الذي أطلق عليه اسم “سباق الريح” لسرعته في الجري والذي لا يوجد مثله في المدينة كلها ، ولذلك فقد أصبح الحصان المحبب إليه ولا يسمح لأحد بركوبه في الوقت الذي لم يرض التاجر أن يمتطي حصانا غيره.

وذات يوم أثناء عودة التاجر من إحدى رحلاته التجارية إلى مدينة فينيتا كان من الضروري أن يمر بحصانة خلال غابة واسعة مظلمة كان ذلك في وقت الليل حيث كان الظلام المخيف يخيم على الغابة ، وفي الوقت الذي كانت فيه الرياح تهز بشدة أغصان شجر الصنوبر، سار التاجر وحيدا وسط هذه الغاية الواسعة ممتطيا حصانه بخطوات بطيئة حفاظا على حصانه المحبب إليه، والذي أعياد التعب من طول الرحلة، وفجأة وثب من بين الأشجار ستة من قطاع الطرق ، عراض المناكب ، يضعون على وجوههم أقنعة رسمت عليها وجوه حيوانات متوحشة، وعلى رءوسهم أغطية كثيفة الشعر وفي أيديهم الرماح والمذي، ثلاثة كانوا يمتطون جيادهم، أما الثلاثة الأخرون فكانوا مترجلين دون جياد ، وقد أمسك اثنان منهم بلجام حصان التاجر ليمنعوه من السير ولوكان التاجر قد ركب حصانا آخر غير حصانه “سباق الريح ما استطاع أن يصل إلى بيته أويرى مدينته مرة أخرى.

فعندما شعر حصانه بيد غريبة قد المست لجامه اندفع بشدة إلى الأمام وبضربة من صدره القوي أوقع على الأرض اثنين من هؤلاء الأشرار، ثم دهس بأقدامه الشرير الثالث الذي كان يلوح برمحه ليوقف “سباق الريح عن السير ثم مضى كالعاصفة إلى الأمام. فانطلق وراءه قطاع الطرق الثلاثة الأخرون بجيادهم القوية والسريعة أيضا ، لكنها لم تستطع اللحاق به على الإطلاق، وعلى الرغم من طول الرحلة ومشقتها ، فإن إحساس الحصان بمطاردة قطاع الطرق لصاحبه جعله يطير كالسهم المنطلق من قوس مشدود تاركا وراءه هؤلاء الأشرار الحانقين بمسافة بعيدة .

وبعد نصف ساعة دخل التاجر مدينته ممتطيا حصانه لاحظ التاجر عند نزوله عن ظهر جواده آن جنبي سباق الريح” قد انتفخت من أثار التعب، وفي هذه اللحظة ربت التاجر على رقبة جواده “سباق الريح” وقد أخذ تعهدا على نفسه بأنه مهما حدث من أمور فلن يبيع حصانه الوفي هذا أو يطرده في يوم من الأيام حتى ولو أصابته الشيخوخة. وقد أمر السايس بان يقدم لحصانه يوميا ثلاثة مكاييل من أحسن معهما أنواع الشوفان والشعير ، ثم أسرع الشبعان إلى أولاده وزوجته على الفور للاطمئنان عليهم ولم يشرف بنفسه لحظة عودتة على إطعام حصانه بل تركه اللسايس الكسول الذي لم يحسن العناية بالحصان كما يجب، فقد أخطأ السايس حينما سقى الحصان ماء مباشرة بعد هذه الرحلة الشاقة ، إذ كان ينبغي عليه أن ينتظر الوقت الكافي الراحة الحصان ثم يسقيه بعد ذلك، ونتيجة لذلك بدأ يضعف الحصان وقد بدا عليه السقم ثم فقد بصره أخر الأمر.

ومضى نصف عام والتاجر باق على عهده في تقديم المكاييل الثلاثة من الشوفان لحصانه الموجود في الحظيرة، اشترى التاجر بعد ذلك لنفسه جوادا أخر وبدا له بعد شهور أنه من غير المعقول أن يطعم حصانا أعمى لا فائدة منه بثلاثة مكاييل من الشوفان ، فأمر بإعطائه مكيالين فقط، ومر نصف عام أخر ، وقد عادت الحياة إلى “سباق الريح” وبالتالي أصبح في حاجة إلى الاستمرار في إطعامه لفترة طويلة لكن التاجر أمر بألا يقدم له سوى مكيالا واحدا فقط يوميا. وأخيرا قرر التاجر طرد هذا الحصان الأعمى كي لا يشغل مكانا في الحظيرة دون فائدة . وبالفعل قد قام عمال التاجر بطرده وضربه بالعصي ، لأنه كان مرتبطا بالمكان لا يريد ترك الحظيرة ويصر على البقاء فيها . لم يدرك “سباق الريح الأعمى المسكين سبب ما يفعلونه به، ولم يعرف ولم ير إلى أين يذهب، ولذلك بقى واقفا خلف بوابة المنزل منكس الرأس يهز أذنيه ويبدو عليه الحزن والأسىء

حل الليل وبدأ الثلج يتساقط وأصبح من الصعوبة بمكان أن يرقد هذا الحصان المسكين على أرض مليئة بالأحجار الصغيرة الصلبة ، وفي جوثلجى قارس البرودة وبقي الحصان واقفا لم يتحرك من مكانه ساعات طويلة، وأخيرا شعر بالجوع فاضطر إلى البحث عن طعام له ، فسار المسكين الأعمى وهو متعب دون توقف رافعا رأسه إلى أعلى ويتشمم في الهواء ربما يعثر في مكان ما على بقايا حزمة من الدرس تكون مدلاة من أحد السقوف القديمة .

من الضروري أن تعلم – عزيزي القارئ – أن ما كان يحدث في هذه المدينة تماما مثلما كان يحدث في قديم الزمان من حيث نظام الحكم، فلم يكن هناك أمير يحكم ، بل كان سكان المدينة يحكمون أنفسهم بأنفسهم. كانوا يجتمعون في الميدان الرئيسي للمدينة وذلك لاتخاذ قرارتهم المهمة. كان هذا الاجتماع يجمع الشعب كله لحل مشاكلهم الخاصة، وكذلك التقاضي والقصاص ويسمى هذا الاجتماع بالندوة الشعبية. وتعقد الندوة في ميدان وسط المدينة حيث يوجد جرس كير معلق على أربعة أعمدة ، وحينما يسمع رنينه في أرجاء المدينة يجتمع الناس على الفور ومن الطبيعي أن أحدا لم يجرؤ على دق هذا الجرس إلا لأسباب قوية وإلا نال توبیخا عنيفا من أهل المدينة. وعندما كان الحصان الأعمى يجول في الميدان وهو يئن من شدة الجوع عثر صدفة على الأعمدة التي يثبت عليها الجرس، وربما اعتقد أن الحبل الذي يتحكم في لسان الجرس ما أن الوقت كان مبكرا ، فقد أسرع أهل المدينة إلى الميدان من كل صوب وحدب المعرفة السبب.

كان أهالي المدينة كلهم يعلمون جيدا أن “سباق الريح” قد أنقذ صاحبه من الهلاك المحتوم ، ويعلمون أيضا بالعهد الذي أخذه التاجر على نفسه بالنسبة الحصانة لكنهم تعجبوا عندما وجدوا “سباق الريح” يقف وسط الميدان هزيلا جائعا يرتعش من البرد القارص، وقد غطى الجليد جسمه ، وسرعان ما اتضح الأمر ، عندئذ عرف الأهالى أن التاجر الثرى قد طرد جواده الضرير الذي أنقذه يوما ما ، واقتنعوا بأن للجواد الحق في أن يدعوهم إلى الندوة الشعبية.

دعا الأهالي التاجر الثرى ناكر المعروف وقدموه للمحاكمة، وعلى الرغم مما ذكره لهم من تبريرات فقد ألزموه بعودة “سباق الريح إلى حظيرته وإطعامه كما كان من قبل حتى أخر عمره بالإضافة إلى تعيين شخص من بينهم لمتابعة تنفيذ الحكم، ومازال نص هذا الحكم منقوشا على حجر موجود وسط المدينة كتذكار لهذا الحدث ..

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here