تتمثل أبرز السمات وضوحًا لفترة “ما بعد الحداثة.” التي نعيشها الآن في الهُجوم المتواصل على مفاهيم وحقائق الحداثة.
إن خطا الهجوم على الدين وحكمة السماء خطوةً أبعد مع الظهور التدريجي للفكر ما بعد الحداثي. فمع قدوم ما بعد الحداثة، صار وجود “الحقيقة” في حد ذاته محل شك؛ حيث عُدّت الحقيقة مفهومًا في غاية النسبية.

تمتد فترة مابعد الحداثة من سنة 1960م إلى سنة 1990م ، ويقصد بها النظريات والتيارات والمدارس الفلسفية والفكرية والأدبية والنقدية والفنية التي ظهرت فيما بعد الحداثة البنيوية والسيميائية واللسانية. وقد جاءت مابعد الحداثة لتقويض الميتافيزيقا الغربية، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت قديما وحديثا على الفكر الغربي، كاللغة، والهوية، والأصل، والصوت، والعقل…وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب. وتقترن ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. وتتميز نظريات ما بعد الحداثة  عن الحداثة السابقة بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن اللوغوس والتقليد وماهو متعارف عليه، وممارسة كتابة الاختلاف والهدم والتشريح، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة لغة البنية والانغلاق والانطواء، مع فضح المؤسسات الغربية المهيمنة، وتعرية الإيديولوجيا البيضاء، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب مابعد الاستعمار .

وقد أنشأت حركة التنوير عقيدة جديدة من الإيمان بقوى التعليم والعقلانية، وبشكل أثار روح جديدة من التفاؤل بقُدرة البشر المتمتعين بالعلم والعقلانية على اتخاذ خيارات حكيمة ومن ثم أخلاقية تحقق العيش الكريم لهم ولمجتمعهم. وبوسع السلطة الآن أن تحوز القبول فقط إذا أبدت المهارة والمعرفة القابلة للإثبات، وليس بالإصرار على احترام التراث والأقدمية. ورغم أن النزعة الإمبريقية (التجريبية) ، قد حلت محل التفسيرات الدينية أو الصوفية للعالم المادي، إلا أنها لم ولن تستطيع أن تحل محل الدين في القضايا المُتصلة بالقيم الروحية والأخلاقية؛ فالعلم لا يستطيع إطلاقًا -ولا يُفترض به- أن يقدّم إجابات للتساؤلات الفلسفية على غِرار الهدف من وجودنا على هذا الكوكب، والهدف الذي ينبغي أن تكون عليه حياة المرء، ومعنى الموت وغيره.

وكانت الحداثة قد دمّرت التراث واستبدلته بعقلانية (عمياء أخلاقيًا في الغالب) مزعومة، وبيروقراطية رسمية لا أخلاقية، وقوى تصنيع وسوق غير بشرية. بيْد أن المحتوى المادي المنزوع منه الروح الموجود في العقلانية والفكر قد اكتسب أبعادًا أكثر رُعبًا مع ظهور تبعات الحياة السياسية في القرن العشرين؛ فقد وضع نيتشه تأملاته حول المبادئ الأخلاقية والاجتماعية لـ”موت الإله”، وألقى فرويد بشكوكه حول مجرد احتمال وجود عقلانية أصيلة في العقل البشري؛ حيث قال بأن العقل تهيمن عليه قوى غير مرئية من الدوافع والمثيرات والأفكار المتسلطة الكامنة في ثنايا اللاوعي، والتي لا تتبدى لنا بعض ملامحها إلا بالتحليل النفسي.


” إن أي إسلام قوامه التحريمات والمحظورات فقط لهو إٍسلام يخلو من الطاقة الخلاقة التي بوسعها أن تصوغ تواؤمًا جديدًا بين الإسلام والحداثة “

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here