تؤكِّد الأستاذة: سعاد محمد السيد – المُحاضِرة والمستشارة في مجال التنمية البشرية – أن مهارة القيادة مِثل مهارة الإبداع وغيرها من المهارات، التي توجد في الأشخاص بنسبة 10%، وهم الذين لديهم مهارة بالفِطرة، وهذا ما نُلاحِظه دائمًا بين الأطفال؛ حيث نجد الطفلَ واقفًا وسط مجموعة من الأطفال، ويقوم بتوجيههم؛ لكي يفعلوا أمورًا معيَّنة ويقوم بقيادتهم، من هذه اللحظة نستطيع أن نَحكُم عليه أنه قيادي، والطفل المبادِر أيضًا في فِعْل الأشياء، فهذه صفة قيادية مهمة جدًّا، وإلى الجزء الثاني من نَصِّ الحوار:

كيف تستطيع الأسرة اكتشافَ أهداف الطفل ولنأخذ أطفالك مثالاً؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: في الواقع لقد طبَّقتُ كلَّ الأشياء التي تحدَّثتُ عنها في الجزء الأول من الحوار، فابْنتي الكبيرة مثلاً تريد أن تُصبِح عالمة فضاء، فبعدما دخلتُ معها في نقاشات عديدة، وتأكَّدت أنها تريد أن تُصبِح عالمة فضاء، أَحضَرتُ لها العديدَ من قَصص روَّاد وعلماء الفضاء المعاصرين من خلال الفيديوهات ومتابعة أخبارهم، وهذا ما تحدَّثت عنه سابقًا، وهو الاحتكاك غير المباشر بالمُبدِعين، وعندما سألتها: ما أكثر مادة تَستمتعين بها عند دراستها؟ أجابت وقالت لي: عِلْم الأحياء “العلوم”، وعندما سألتها أيضًا: ما أكثر شيء جذَب انتباهَك في الأحياء؟ قالت لي: عندما تعرَّفنا على الكواكب والنجوم والشمس والقمر، وظلَّت تشرح لي فترةً كبيرة من الوقت عن مدار الكواكب والجاذبيَّة، ومن هنا أيقنتُ أن ابنتي سوف تُبدِع في ذلك المجال، وقالت لي: هذا سيكون هدفي في الحياة، وسوف أعمل لكي أُحقِّقه، وهو أن أكون عالمة فضاء.

هل يمكن أن يأخذ الطفل شخصًا ما قدوة كنسخة (طبق الأصل) بدون أن يُبدِع الطفل، ويستخدم مهاراته ليُطوِّر من نفسه؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: من الخطأ أن يقول الطفل: أنا قدوتي فلان، فأصير مثله بكل تصرُّفاته، ولا بد للإنسان أن يكون لديه سَبْع قدوات في حياته، ولكن ليس شرطًا أن يكون مثلهم تمامًا، ولكن الإنسان يأخذ أهمَّ المميزات التي تُميِّزهم عن الآخرين، وكيف اكتسبوا تلك المميزات، ويبدأ الإنسان بالعمل على تنمية تلك المميزات، ودعْنا نسأل سؤالاً: هل الإبداع فِطريٌّ أم مُكتَسب؟ هذه النقطة تَحدَّث فيها العلماء مرارًا وتَكرارًا وعلى مدار السنين، ولكن لخَّصه علماء العصر في التالي، قالوا: إن الإنسان يَنقِسم إلى ثلاثة مجموعات: (10%، و80%، و10%)، الـ (10 %) الأولى هم أشخاص مُبدِعون بالفطرة؛ كسيدنا معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – يُذكَر أنه وهو صغير كانت أمه هند بنت عتبة تُراقِبه، وشخص ما همس في أذنيها، وقال لها: هذا سوف يقود قومَه، فانزعجت وصرخت في وجهه، وقالت له: ثكلته أمه إن لم يكن قائدًا إلا للعرب، ونماذج أخرى مُشرِّفة معروفة على مدار التاريخ، وأما الـ (10 %) الآخرون، فقال عنهم العلماء: إن الشخص مهما حاوَل معهم لا يمكن أن تُنزِل منهم ولو نقطة إبداع أو قيادة؛ لأنهم إما مجانين ومُختلُّون عقليًّا، وإما رافضون للتغيُّر نهائيًّا، والـ (80 %) من الأشخاص هم بالتدريب وحضور كورسات وورش العمل من الممكن أن يتعلَّموا كلَّ المهارات (الإبداع، والقيادة، والقراءة السريعة، والتواصل مع الطفل، والتفوق الدراسي).

تُعَد الألوان من أهم الأشياء تشجيعًا على تحديد الهدف، كيف تساعد الألوان الأطفالَ في توجيههم؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: بداية، إنَّ الورش التي نُقيهما للأطفال مُستنِدة إلى بناء عِلمي، وليس من الخيال، وقد اكتشف العلماء مؤخرًا أن دماغَ الإنسان يَنقسِم إلى نصفين: نصف أيمن، ونصف أيسر، والنصف الأيسر دائمًا ما يكون مهتمًّا بالأرقام والترتيب والكلمات والتنظيم وغيرها، أما النصف الأيمن، فيُسيطر علية الأشخاص الذين يحبون الموسيقا والأدب والشعر والألوان، وللأسف! فإن المناهج التعليميَّة في الدول العربية عامة تُدرِّس للنصف الأيسر فقط، فيقومون بتدريس الكتاب المدرسي بلون واحد، وخطوط سوداء، ولا توجد صورة واحدة في الكتاب، ولو كان هناك صورة دائمًا ما تكون أبيض وأسود وليست بالألوان، وهذا خطأ كبير في المناهج الدراسية وطُرُق تدريسها؛ لأن الألوان شيء مهم جدًّا في إيصال المعلومة بطريقة أسرع للطفل؛ لأنه من المعروف أن الطفل تَجذِبه الألوانُ المختلفة أكثر من الألوان الداكنة، وهذه مهمة الورش، ففي الورش العملية يقوم المدرِّبون بتعليم الأطفال كيفيةَ استخدام الألوان المختلفة؛ حتى يبتعدوا عن الطرق التقليديَّة، وهي استخدام لونٍ واحد أو لونين فقط وتَجاهُل باقي الألوان، وبالتالي نقوم بتشغيل الجزء الأيمن من عقله بقدراته الهائلة، ومن هنا يُحفِّز المدرِّبون بمجال التنمية البشرية استخدامَ الألوان في الدراسة؛ لأنها تُحفِّز على استخدام الجزء الأيمن من العقل بطريقة صحيحة، وحتى نُوازِن بين استخدام الجزأين عن طريق مَزْج الكلمات واللقطات والألوان، ومزج مهارات الإبداع مع بعضها البعض واستثمار كل طاقات الطفل.

هل الشخصية القيادية قيادية بالفطرة أم قابلة لاكتساب بعض المهارات؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: مهارة القيادة مِثل مهارة الإبداع وغيرها من المهارات التي توجد في الشخص، وكما سبق وقلت: إن الأشخاص ال 10% الذين لديهم مهارة بالفطرة نجده يقف في وسط مجموعة الأطفال ويقوم بإعطاء إشارات لهم؛ لكي يفعلوا كذا وكذا ويقوم بقيادتهم، من هذه اللحظة نستطيع أن نحكم على الشخص أنه قيادي، والطفل المبادر أيضًا في فِعْل الأشياء، فهذه صفة قيادية مهمة جدًّا.

كيف نزرع عند الطفل الصفة القيادية؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: أفضل طريقة لجعل الطفل يَمتلِك صفة قيادية في المجتمع هي تكليفه ببعض المهمات السهلة؛ لأن صعوبة المهمات تتدرَّج من الأسهل للصعب للأصعب، فيجب اختيار مهمة سهلة تُناسِب عمره وقدراته، ويستطيع إنجازَها ويكون قادرًا على النجاح، وبهذا تزرع لديه الشعور بالمسؤولية، ومع مرور الوقت يستطيع أن يأخذ القرار الصحيح، ولكن مع حضور الكورسات الخاصة التي تؤهِّله، حتى تصنع منه قائدًا ناجحًا.

كيف تساعدين أبناءك على تحديد الهدف من خلال الاحتكاك بالآخَرين؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: بالنسبة لأبنائي كما قلتُ في السابق أُطبِّق معهم كلَّ ما قلته عن تحديد الهدف في المنزل، بالإضافة إلى أنهم موجودون معي في العمل دائمًا، فضلاً عن أنهم مساعدون لي في ورش عمل الأطفال؛ حيث تقوم ابنتي الكبيرة التي تَبلُغ من العمر عشر سنوات باستلام مجموعة مني، وعمل ورشة عملٍ للأطفال في موضوع ما، وتكون هي المُحاضِرة لديهم في الورشة، وتشرح للمتدرِّبين الأطفال، وتُعطي لهم نماذج، وبالتالي يكون لهم دور فعَّال في العمل، وهذه أهم مراحل صناعة القائد، هي تكليفه بمهمة ليس فقط داخل المنزل، ولكن خارجه في العمل أيضًا.

هل يشترط في تحديد الهدف أن يَظلَّ الشخص على هدفه مدى الحياة، أم من الممكن أن يتغيَّر مع الوقت؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: بالتأكيد ليس شرطًا أن يضع الشخص هدفًا ما نُصْب عينيه، ويَظلُّ مُتمسِّكًا به طوال العمر أو يَظل يعمل جاهدًا على تحقيق هذا الهدف، ولكن قد يختلف الهدف؛ فالظروف ممكن أن تتغيَّر، والبيئة أيضًا يَحدُث بها تغيير، حتى ظروف الدولة نفسها وظروف البلاد العربية كلها من الممكن أن تتغيَّر كأحوال سوريا ومصر على سبيل المثال، فالشخص الذي حدَّد هدفه منذ أكثر من 10 سنوات أن يصبح عالمًا أو طبيبًا، فوجئ أنه بعد تلك المدة لم يستطع تحقيق هدفه؛ بسبب سوء أحوال البلاد، وبالتالي تَنازَل عن هدفه وحُلمه، وهاجر إلى بلد أخرى وحقَّق هدفًا آخر لم يَخطُر بباله قط، ولم يكن يتصوَّر أنه سوف يُحقِّق هدفه في هذا المجال.

هل هناك كلمة أخيرة تُحبين أن توجهيها لبعض الشباب؟

الأستاذة: سعاد محمد السيد: العديد من الأشخاص – وخاصة في سنِّ الشباب – يُحدِّثونني أنهم تركوا المدرسة وهاجروا وفقدوا حُلْمهم؛ بسبب ما يَحدُث في البلاد والظروف السيئة التي تَمُر بها معظم الدول العربية، أقول لهم: هذه المرحلة التي نَمُر بها ما هي إلا فترة مؤقَّتة، وما علينا إلا أن نترك اليأس ونتفاءل، وخاصة أننا في اتجاه النور والعِلْم والتطور ووسائل الاتصال الحديثة، ودائمًا لا بد أن نأخذ قصة العالم الجليل الراحل الدكتور علي مصطفى مُشرَّفة، عندما كان يدرس في إنجلترا قامت الثورة عام 1919م في مصر، وكان قائد الثورة حينئذٍ سعد زغلول، وكان الدكتور علي مصطفى مشرفة روحه الوطنية عالية جدًّا، وفكَّر كثيرًا، ثم استقرَّ على أنه سوف يؤجِّل دراستَه، ويعود إلى مصر، ويُشارِك في الثورة، وأرسل رسالةً للزعيم محمد النقراشي بأنه يريد العودة إلى مصر، فردَّ عليه النقراشي بجملة واحدة فقط قال له: “يا علي، ابقَ حيث أنت، فمصر تحتاجك عالمًا أكثر مما تحتاجك ثائرًا”، وبالتالي فتلك الأمور التي تَمُر بها مصر وسوريا ومعظم الدول العربية ما هي إلا مرحلة مؤقتة، والحال سوف يتحسَّن، ولكن علينا نحن فقط أن نصبر امتثالاً لقول الله – عز وجل -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، وأن نتمسَّك بالعزيمة مع التسلح بالعلم والتطوير، حتى ولو في غير المنشأ الأصلي للشخص؛ لأنه من المؤكَّد في يوم من الأيام سوف يعود إلى وطنه، وسوف يفيده في المجال الذي برع فيه، وخاصة أن العرب جميعًا وعلى مدار السنين كانوا مُصدِّرين للعلماء وكانوا قادة العالم، ما يَحدث انتكاسة مؤقَّتة، وخاصة أنه بدأ يظهر الشعاع المضيء الذي يُعطينا الأمل، وذلك من خلال مجموعة من العلماء الذين ألتقي بهم في مصر، وهذا يعطيني التفاؤل التام بأن القادم أحسن.

 

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here