حوار تربوي حول مساعدة الأطفال في تحديد أهدافهم في المستقبل

حوار مع المستشارة التربوية سعاد السيد

أكَّدت الأستاذة سعاد محمد السيد – المحاضرة والمستشارة في مجال التنمية البشرية – على أهمية تحديد الهدف لدى الطفل منذ المرحلة العمرية الأولى، مضيفةً أن معظم الآباء يقعون في خطأ كبير، وهو أنهم لا يُفكِّرون في مستقبل ابنهم أو ابنتهم إلا بعد مرحلة الثانوية، فيبدأ الأب بالتفكير في مستقبل طفله، ماذا سيَفعل فيه؟ وهذا خطأ جسيم لا تتداركه الأسرة إلا في الكبر.

وشدَّدت المُحاضِرة والمُستشارة في مجال التنمية البشرية على أهمية الاحتكاك بالمُبدعين، وليس معنى الاحتكاك أن نلتقي بهم فقط؛ لأنه من المعروف أنه من الصعب أن نلتقي بهم وجهًا لوجه، ولكن الاحتكاك من وجهة النظر الثانية هو أن تُعرِّفهم قصص هؤلاء المُبدِعين، وذلك من خلال مشاهدة هؤلاء المُبدِعين في عالم الميديا؛ لأنه نادرًا ما يلفت الكتابُ والقصة وأمثالهما نظرَ الطفل، ولكن عليه أن يرى في التليفزيون وعلى الإنترنت، وأن يحضر مقابلات لهؤلاء المُبدعين؛ لكي يرصد ماذا يفعل هؤلاء الناس في حياتهم العادية… وإلى نصِّ الحوار:

س: بداية، ما هو تعريف الهدف بشكل مُبسَّط؟

يُعتبَر تحديد الهدف شيئًا مهمًّا جدًّا، فنحن نربي أولادنا ونقوم بتدريسهم، ولكن فِكرة الرؤية المستقبلية لدى الطِّفل غائبة عن عقل الآباء؛ أي: في أي مجال سوف يتخصَّص الطفل بمجرَّد انتهائه من المرحلة الدراسية، فهذا هو تعريف مفهوم الهدف ببساطة، فعندما تسأل الأم طفلها: أعطني أسماء علماء في مجال ما، لا يعرف الطفل كثيرًا، وإن عرف يقوم بنطق أسماء علماء توفُّوا منذ مئات السنين، لا يَعرفها إلا عن طريق الدراسة فقط، وإن طلبَت منه والدته أن يقول لها اسم عالم واحدٍ على قيد الحياة لا يَعرف، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة، ولكن يظل في ذهن الطفل أن العلماء في المجالات المختلفة الذين قدموا الاختراعات ماتوا منذ مئات السنين، ولكن هذا خطأ، ولسنا نقلل من شأن العلماء القدماء الذين أسهموا في تقديم الاختراعات، وأسهموا في تقدم العلم، لكننا نريد أن نفتخِرَ بعلماءَ معاصرين من الشباب، وأن يكون لنا أثر وبصمة في المجتمع بدون العيش على أطلال الماضي فقط، وهذا ما نُسمِّيه في مجال التنمية البشرية: “تحديد الهدف”.

س: ما هي الطريقة التي يغرس بها الآباء تحديد الهدف في نفوس الأبناء منذ مرحلة الطفولة؟

معظم الآباء لا يُفكِّرون في مُستقبل ابنهم أو ابنتهم إلا بعد مرحلة الثانوية، فيبدأ بالتفكير في مُستقبل طفله، ماذا سيفعل فيه؟ وهذا خطأ يقَع فيه الكثير من الآباء، أيضًا بالتحديد ما نَشتغِل عليه في مجال التنمية البشرية، نبتدئ منذ مرحلة الطفولة بزرع نظرة إيجابية عن الواقع المعاصر الحقيقي داخل الطفل، فلا بد أن يكون لدية نموذج يَقتدي به منذ صغره؛ فقد يَكون هذا الشخص أباه أو أخاه، أو مِن ضمن الأقارب أو العائلة، أو من الجيران، أو حتى من الأشخاص المشهورين، وبعيدًا عن كوني مدرِّبة في مجال التنمية البشرية فأنا أمٌّ، وقد مررتُ بفترة وبدأت بالتفكير: عندما يكبر أطفالي ماذا ينتظرهم، فبدأت معهم بحكايات قصص علماء مُعاصرين في جميع المجالات، وأحضرت لهم قصص علماء أيضًا وقرأتها أمامهم.

س: ما هي بعض النماذج التي يُمكن أن نتخذها كقدوة عامة في المجتمع؟

هناك العديد من العلماء العظماء المُعاصرين التي يجب أن يأخذهم كل الشباب قدوة؛ كالعالِم الكبير أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل، ويَجب تعليم الأطفال قصة العالم المصري الرائع أمير الكيمياء دكتور أحمد زويل؛ فإنه في إحدى المقابلات التليفزيونية مع الدكتور أحمد زويل سألوه: كيف حدث تميزك؟ وكان رده رائعًا كعادته – وهي التي زرعت في داخلي تحديد الهدف لدى الأطفال منذ صغرهم – أجاب: “لما كنتُ طفلاً صغيرًا وكبرتُ وجدت والدتي تضع ورقة أعلى باب غرفتي مكتوبًا عليها: دكتور أحمد زويل”، ومِن هنا صرَّحت في معظم اللقاءات: لماذا لا نفعل ذلك الشيء مع أولادنا؟ وقد بدأت بنفسي، وفعلت نفس الشيء مع أولادي، وذلك من خلال رصد الأشياء التي يحبها كل طفل، والمواد الدراسية التي يتميَّز فيها، ويتفوَّق فيها، وما هي أكثر المواد التي يَستمتِع بدراستها؟ ومن هنا وبعد نقاش كل طفل يبدأ الطفل بتحديد أهدافه منذ المرحلة المُبكِّرة له، وتحديد الهدف الصحيح يأتي للطفل من بداية المرحلة الإعدادية، وليس قبل ذلك؛ حتى يكون الطفل قد اكتمل عقله لدرجة كبيرة، وأصبح واعيًا ودارسًا جيدًا، ويكون قادرًا على اختيار القرار الصحيح، ولكن قبل هذا الوقت يقوم الأهالي بمناقشات وحوارات مع الطفل؛ حتى يَعرفوا طريقة تفكيرِه، حتى يَقوموا بتوجيهه نحو الطريق الصحيح، وكما ذكرت أني طبقتُ هذا الهدف مع أطفالي، ونجَحَت الطريقة عندما وجدت أبنائي فعلوا مثلما فعل الدكتور أحمد زويل، قلت لنفسي: لماذا لا نُعمِّمها على مستوى المجتمع؟ وبالفعل طبَّقتُ هذه الورشة مع أطفال سوريا ومصر ودول عربية أخرى.

س: هل اكتفت هذه الورش العلمية بتحديد الهدف فقط؟

لقد قُمنا بتقسيم الورشة إلى قسمَين؛ الأول، وهو القسم العملي؛ وذلك من خلال أن يقوم الأطفال بكتابة كل أهدافهم على ورق، واستخراج ما في عقولهم، ولكن القسم النظري مُهمٌّ جدًّا أيضًا؛ وذلك عن طريق إعطائهم نبذة عن كل عالم عربي مُعاصر، وقراءة الحكايات الخاصة بكل عالم؛ كالدكتور أحمد زويل، والدكتور فاروق الباز، والدكتور عصام حجي…، وفي كل المجالات المختلفة، ونجعلهم يشاهدون هؤلاء العلماء وهم يتسلَّمون الجوائز نظرًا لتفوقهم في مجالاتهم، وبالتالي يتمنى الطفل بأن يكون مكان هؤلاء العلماء، ويبدأ يفعل كل ما كان يفعله الدكتور أحمد في صِغَره، ونَدخُل على المرحلة الثانية، وهي أن نجعلهم يُشاهدون أطفال معظم الدول الإفريقية تحت خطِّ الفقر، والفرق بينهم وبين الأطفال في هذه الدول، وبالتالي يُزرع بداخل الطفل شعور التشجيع في تطوير نفسه، والإعلاء من شأنها؛ لأنه يملك ما لا يملكه الآخرون، وقد نجحت هذه الورشة في بلدان كثيرة، منها: مصر.

س: كيف يستطيع الأهل تحقيق التوازن بين اكتشاف قدرات الطفل وبين توجيهه نحو الطريق الصحيح؟

هناك شيء معروف في عالم النجاح، وهو الاحتكاك بالمُبدعين، وليس معنى الاحتكاك بالمُبدِعين أن نلتقي بهم فقط؛ لأنه من المعروف أنه من الصعب أن نلتقي بهم وجهًا لوجه، ولكن الاحتكاك من وجهة النظر الثانية هي أن تُعرِّفهم قصص هؤلاء المُبدعين؛ وذلك من خلال مشاهدة هؤلاء المُبدعين في عالم الميديا؛ لأنه نادرًا ما يلفت الكتابُ والقصة وأمثالُهما نظرَ الطفل، ولكن عليه أن يرى في التليفزيون، وعلى الإنترنت، وأن يَحضر مقابلات لهؤلاء المبدِعين لكي يرصد ماذا يفعل هؤلاء الناس في حياتهم العادية، فهذه خطوات صحيحة تزرع في الطفل توجُّهات يجب أن تكون صحيحة، بالإضافة إلى أنها سوف تكون متَّفقة مع ميوله ورغباته، وبالتالي يجب أن يَستعرِض الآباء عددًا مُختلفًا من المُبدِعين في مختلف المجالات، فيبدأ الطفل بتوحيد ميوله وأفكاره مع ذلك الشخص المُبدِع الذي يَرى الطفل فيه أحلامه وآماله ومستقبله؛ بحيث يتمنَّى لو أنه مثل هذا العالِم، وبالتالي يقوم الطفل بأخذ مُنحنى إيجابي في الحياة، وهناك نقطة مهمَّة جدًّا لا بد أن أؤكد عليها، وهي ضرورة حضور الأطفال لمثل هذه الوِرَش مع مدرِّبين مُختصِّين؛ لأن الأهل مهما جلسوا مع أطفالهم في المنزل فلا بد أن يجلسوا في وسط الأطفال الآخرين في الورش، والاستماع لمدربين الورش؛ لأنهم سوف يوجهونهم إلى الطريق الصحيح؛ نظرًا لاختصاصهم في هذا المجال.

س: كيف نتخلَّص من مشكلات الأطفال مع أسرهم؟

دائمًا ما تأتينا استشارات عن كثرة المُشكلات الأسرية بين الطفل والأهل، ولكن أؤكد أن 90 % من المشكلات لا توجد في الطفل نفسه، ولكن توجد في الأسرة, فدائمًا قبل اتهام ابني بالتقصير نحو شيء معين، أحاول أن أرصُد الأسرة نفسها التي تتكون من أب وأم وأخت؛ لأنه غالبًا ما يكون الخطأ عند هؤلاء، وليس عند الطفل، فالأسرة سبب كبير في برمجة الطفل منذ صِغَره على الطريقة التي يتصرَّف ويتعامل بها، وإذا نظرنا إلى الغرب فسوف نجده يضرب أروع الأمثلة في ذلك، فقبل الزواج في الدول الغربية يذهب الزوج والزوجة ليحضرا كورسات عن التعامل مع الأطفال، سواء في مرحلة الولادة أو الطفولة وبعد الطفولة أيضًا، وبالتالي يجب أن تُطبَّق هذه الكورسات في مصر؛ حتى يستطيعوا التعامل مع الأطفال منذ بداية الولادة حتى يوجهوهم نحو الطريق الصحيح.

س: كيف يستطيع الطفل – بمعاونة أسرته – معرفة الفرق بين الهدف الإيجابي والهدف السلبي؟

هذه هي أهمية المُشاورات، فكما قلت سابقًا: إن اختيار الهدف يأتي دائمًا بعد المشاورات، عبر مجموعة من الجلسات العائلية، حتى نصل إلى القرار السليم، وهذه الجلسات ينبغي أن تقام في جوٍّ عائلي خالٍ من التوتر، وخالٍ من المشاحنات، وتحديد الهدف نفسه، سواء أكان إيجابيًّا أو سلبيًّا، يأتي بعد الجلوس والمُناقَشة مع الطفل نفسه؛ بمعنى لو تناقشْتُ مع الطفل ووجدته مقتنعًا برأي أو بهدف سلبي فأقوم بمُحاورة الطفل: لماذا اخترت هذا الهدف؟ وبماذا سوف يُفيدك في المستقبل؟ وبالتالي يحاول الأهل إقناع الطفل بعكس ما هو مُقتنِع به، وإقناعه بهدف صحيح، ولكن بعيدًا عن أن تقوم الأسرة بفرض هذا الرأي على الطفل حتى ولو كان صحيحًا، ولكن لا بدَّ أن يقوم الطفل بتبنِّي هذا الرأي وهذا الهدف؛ لأنه يريد ذلك الهدف، وذلك من خلال طرح بعض الأسئلة عليه، وهكذا حتى يختار الطفل الرأي الصواب.

المصدر: شبكة الألوكة

ترك الرد

المرجو كتابة تعليقك
Please enter your name here